ابن عجيبة
271
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أو علقه بمشيئة اللّه ، أو كان خاطرا غير ساكن ، فلا بأس به . قال القشيري - بعد كلام في وجه اختصاص التدبير بالحق تعالى : لأنه لو لم تنفذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العزّ ؛ لأن من نفى عن مراده لا يكون إلا ذليلا ، والاختيار للحق نعت عز ، والاختيار للخلق صفة نقص ، ونعت ملام وقصور ، فاختيار العبد عليه غير مبارك له ؛ لأنه صفة غير مستحقّ لها ، ومن اتصف بما لا يليق به افتضح ، قال قائلهم : ومعان إذا ادّعاها سواهم « 1 » * لزمته جناية السّرّاق والطينة إذا ادّعت صفة للحقّ أظهرت رعونتها ، فما للمختار « 2 » والاختيار ؟ ! وما للملموك والملك ؟ ! وما للعبيد في دست الملوك ؟ ! قال تعالى : ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ . ه . وقال آخر في هذا المعنى : العبد ذو ضجر ، والربّ ذو قدر * والدهر ذو دول ، والرزق مقسوم والخير أجمع : فيما اختار خالقنا * وفي اختيار سواه : اللوم والشّوم . فإذا علمت ، أيها العبد ، أن الحق تعالى هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ، لم يبق لك مع اللّه اختيار ، فالحالة التي أقامك فيها هي التي تليق بك ، ولذلك قيل : العارف لا يعارض ما حلّ به ، فقرا كان أو غنى « 3 » . قال اللجائى في
--> ( 1 ) في القشيري : ومعان إذا ادعاها سواه . . . ( 2 ) أي : الذي اختاره اللّه . . ( 3 ) قلت : هذه منزلة ، وهناك منزلة أعلى وأحلى ، نفهمها إذا قررنا أصلا ، وهو : أن حكم اللّه واختياره ، ثلاثة أنواع : الأول : حكم اللّه الديني ، الشرعي ، واختياره ، ومراده الديني . . وهذا موقفنا منه الخضوع والتسليم ، والرضا والقبول ، والعمل . الثاني : حكم اللّه الكوني ، القدري ، الذي لا اختيار لنا فيه ، كمصيبة الموت ، وجائحة في مال ، وإذاية ظالم لا نقدر عليه ، وما أشبه ذلك ، وهذا موقفنا منه التسليم ، والصبر ، وفوقه : الرضا بهذا القضاء ، الذي لا اختيار لنا فيه . الثالث : حكم اللّه الكوني القدري ، واختياره الكوني القدري - الذي لنا فيه قدرة واختيار ، كمرض يمكن دفعه بالدواء ، وفقر يمكن دفعه بالتكسب وطلب الغنى ، وهزيمة يمكن دفعها بالجهاد والكفاح . . إلخ ، وهذا موقفنا منه : هو المنازعة ، والمبالغة ، والمدافعة ، وانتبه معي لقول سيدنا عبد القادر الجيلاني - الشيخ القدوة ، العارف ، قال ما ملخصه : ( الناس إذا ذكر القدر أمسكوا ، إلا أنا ، فقد انفتحت لي فيه روزنة [ طاقة - نافذة ] فنازعت أقدار الحق ، بالحق ، للحق ) . فهذا في النوع الثالث من حكم اللّه واختياره ، ننازعه ، بالحق ، للحق ، والشيخ القدوة ، لم يبتدع ذلك ، وحاشاه ، رحمه اللّه وقدس روحه - بل هو انتزعه من حديث نبوي شريف ، أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 421 ) والترمذي في ( الظب ، باب 21 ، 4 / 349 ، ح 2065 ) وابن ماجة في ( الطب ، باب 1 ، 2 / 1137 ، ح 3437 ) من حديث أبي خزامة قال : سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم : أرأيت [ يعنى : أخبرنا عن ] - رقىّ نسترقيها ، وأدوية نتداوى بها : أترد من قدر اللّه ؟ قال : « هي من قدر اللّه » اللّه أكبر : فقدر المرض ، ننازعه بقدر العلاج والدواء ، وقدر الفقر المالى ننازعه بقدر الكسب وإصلاح المال ، وقدر الهزيمة ننازعه بقدر الجهاد والاستعداد ، وقدر التخلف الحضارى ننازعه بقدر الفعالية الحضارية ، وقدر انتشار الوباء كالطاعون ، والكوليرا - ننازعه بقدر الاحتماء ، والتطعيم العام . . إلخ ، كما فعل سيدنا عمر : مع طاعون الشام ، فلم يدخل الشام - عندما سمع بانتشار الطاعون فيها ، وكان ذاهبا إليها ، فقيل له : أتفر من قدر اللّه ؟ ! قال : ( نعم ، نفر من قدر اللّه إلى قدر اللّه ) فالمؤمن العارف يصول بالحق للحق .